أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
90
شرح مقامات الحريري
وكسوه . وقشرته : ثوبه ، لأنه قدّم أنّ هيئته كانت رثّة ، فاحتاجوا أن يكسوه . * * * قال المخبر بهذه الحكاية : فلمّا رأيت تلهّب جذوته ، وتألّق جلوته ، أمعنت النّظر في توسّمه ، وسرّحت الطّرف في ميسمه ، فإذا هو شيخنا السّروجيّ ، وقد أقمر ليله الدّجوجيّ ، فهنّأت نفسي بمورده ، وابتدرت استلام يده ، وقلت له : ما الّذي أحال صفتك ، حتّى جهلت معرفتك ، وأيّ شيء شيّب لحيتك ، حتّى أنكرت حليتك ! فأنشأ يقول : [ المجثث ] وقع الشّوائب شيّب * والدّهر بالنّاس قلّب إن دان يوما لشخص * ففي غد يتغلّب فلا تثق بوميض * من برقه فهو خلّب واصبر إذا هو أضرى * بك الخطوب وألّب فما على التّبر عار * في النّار حين يقلّب ثم نهض مفارقا موضعه ، ومستصحبا القلوب معه * * * تلتهب جذوته : اشتعال جمرته واتّقادها ؛ وأراد حدّة ذهنه ، والجذوة : النار في طرف العود . تألق : لمعان . جلوته : ما جلاه وكشفه من وجهه ، وتقول : جلوت العروس جلوة ، إذا أزلت نقابها ، وأظهرت وجهها ، والجلوة بالكسر : هيئة جلوة حين يجلى ، وأراد بتألّق جلوته بريق وجهه . أمعنت : بالغت وأدمت النظر ، وأصله من أمعن في الأرض إذا أبعد الذهاب فيها . توسمه : نظر سماته ، وهي علامته التي يعرف بها ، ويريد أنه أدام النظر في نعوته . سرّحت الطّرف : أرسلت العين بالنظر ، وأصل الطرف تحرّك العين عند النّظر ، تقول : طرفت العين طرفا . والعين : الجارحة ، والبصر : ما تدركه بنظرها ، ثمّ سمّيت العين طرفا لذلك . وميسمه : علامته . أقمر : ابيضّ ، فصار مثل لون القمر . الدّجوجيّ : الشديد السواد ، وأراد نبات شعره الأسود . قوله : « بمورده » ، أي بقدومه وإتيانه ، تقول : ورد علينا فلان ، إذا قدم عليك من بلد آخر ، والمورد : مصدر ورد ، وهو بمعنى الورود ، لأنه قدّم أنه غاب عنه مدّة لا يعرف له موضعا ، ولا يجد عنه مخبرا ؛ حيث قال : « واستتر عنّي حينا » ، فلما رآه ببلده بالبصرة فرح بقدومه وهنّأ نفسه على ذلك . استلام : تقبل اليد . ابن الأنباريّ : استلم الحجر ، معناه أخذه ومسّه بيده ، واستلم ، افتعل ، من المسالمة . يريد أخذ الحجر وضمّه إليه ، أو يكون استفعل ، من اللأمة وهي